إسراجُ القَناديلِ لبيانِ ما أشكلَ من حديثِ ” لولا بني إسرائيل لم يخنز اللّحم

منذ الثلاثاء 8 صفر 1438مساءً17 8-11-2016مساءًالثلاثاء الزيارات : 490

الحمدّ للّه وحده ، والصّلاة والسّلام على من لا نبيّ بعده ، أمّا بعد ..

فإن في طاعة اللّه – عزّ وجلّ- عظيم البركات ، وجزيل الخيرات ، فمنها ما يتقلّب فيها العبدُ بنعيمِ المأكل ، والملبس ، والمطعم .. ، ومنها ما يدركه في صحّته ، ونفسه ، وعافيته ، وقد تجتمع وتفترق ، و يحصل أحدهما دون الآخر ، بحسب تقدير اللّه سبحانه وقضائه .

وقد أرشد اللّه – سبحانه – عباده ، بسداد القول والفعل ؛ الذي يعود على فلذات الأكباد بالرّعاية ، والهداية ، والحفظ فيما يستقبلوه ، فقال : ” وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذريةً ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا اللّه وليقولوا قولاً سديداً ” . (النساء-٩) .

فلولا لذلك ، لكانوا عُرضةً فيما يستقبلوه من تجنّي الآباء مما اقترفوه من المناهي ، حتى يمسّ ذراريهم من بعدهم . فإذا وقع ذلك عليهم ، اجتهدوا في الطّاعات ، واجتناب المنهيّات ، لتجنيب من بعدهم شؤم المعصية ، وتبعاتها ..

وعليه .. فقد كان النّاس يتلّقبون بوافرِ النّعم ، والصّحة والعافيّة ، حتى انتشرت المعاصي ، ودبّت فيهم الأمراض والآفات التي لم تكن في آبائهم الذين خلوا من قبلوا .. فغيّروا وبدّلوا ، فغيّر اللّه عليهم وبدّل أحوالهم ..

ودبّ النّقصُ بعد التّمامِ ، والخللُ بعدَ الكمالِ ، كما قال أنس ما من يومٍ الا والذي بعده شر منه .. ” وسُلبت البركة من النّاس ، ومن كثير منافع الأرضِ ، والأشجار ، والثّمارِ ، والأطعمةِ والخيرات ..

يقول اللّه : ” ظهر الفسادُ في البرّ والبحرّ بما كسبت أيدي النّاس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ” .

*وفسادُ النّاسِ متنوّع : فمنه ما هو ظاهر ، كالتّقتيل ، والتّشريد ، وشرب الخمور والزنا ، مما تُخلّفُ ، كثيراً من الأمراض والأوبئةِ ، والطّاعون ، الذي يلحق المضرّة في البرِّ والبحرِ ، جرّاء هذه المخلفات المؤثّرةِ على البيئةِ السمكيّةِ ، والحيوانيّة ، والنّباتيّة .

وتصاعد الأدخنة ، من تلك المخلّفات و غيرها ، التي تُلحق الأضرار على المجتمعِ والبيئة .
ولا تزال مُخلّفات الحروب ، والتجارب النوويّة تاركةً خلفها آثاراً كثيرةً على الأفراد ، وعلى الأراضي ، والبيئات ، مما يستحيل معها العيش ، والإستفادة من ثرواتها الزّراعيّة والحيوانيّة ، لما تأثّرت به من سمومِ هذه المضار ! .

فمن هذه الأثارِ التي ألحقتِ المضرّة على الحيوانِ والنّباتِ ، وأثّرت في تمامها ، وفوائدها ، ما ارتكبه بنو إسرائيل من المعصيةِ والجرمِ ، الذي ألقى بظلال شؤم معاصيهم على الطّعام واللّحم ، فجعله يخنزن وينتن! ، فقد ثبت عن النّبي – صلّى اللّه عليه وسلّم – أنّه قال : ” لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم .. ” .البخاري (3152) , ومسلم (1470) .

فمن بركةِ الطّعامِ واللّحمِ ، أنّه ما كان يُنتن ، وأنّ خيره مديد ، حتى تواطئت بنو إسرائيل على العصيانِ ، فحُرموا خير طعامهم ، وأصاب بؤس معاصيهم اللّحم ، فبسبب عصيانهم وتمردهم نُزعت البركة و قلّت ، واخذت بالتّناقص النّسبي من أمّة الى أمّة ..

* فالحاصل أنّ النّتن الذي أصاب اللّحم كان بكسب ظلمة بني اسرائيل ، فقد أظهروا فساداً في الأرض ، ممّا أثروا به على المخلوقاتِ التي تُتّخذ طعاماً لهم .

فلم يشر النّبي – صلّى اللّه عليه وسلّم – للفعل الخاصّ الذي أثّر به على الطّعام ، فانتقل اليها وباء أنتن معه هذه الأطعمة ، فقد يكون لقلّة رعايتهم لها ، أو اطعامهم النّتن ، والقاذورات ، أو غير ذلك من المعاصي التي أفقدتها بركتها ، وتسلسل .

وقد تكون جنس مخالفتهم في أمرٍ مُغايرٍ لهذا ، مما حلّت عليهم العقوبة ، بافقادهم بركة طعامهم .

والحكمة : من تسلسل ذلك إلينا ، لنعلم شؤم المعصية وتوابعها ، ونستيقين سبيل المغضوب عليهم ، فنتّقيهم ، ونفارقهم .

وقد تحدث ابن القيّم في ( الجواب الكافي: 64-65 ) عن آثار الذنوبِ ، وبوّب فصلاً في ” الذنوب تحدث الفساد في الأرض” ، فقال :

” ومن آثار الذُّنوبِ والمعاصي : أنّها تُحدِث في الأرضِ أنواعاً من الفسادِ في المياهِ والهواءِ ، والزرعِ ، والثّمارِ ، والمساكنِ ، قال تعالى: ” ظهر الفساد في البرّ والبحرِ بما كسبت أيدي النّاس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون” (سورة الروم: 41) .

* قال مجاهد: إذا ولي الظّالم سعى بالظّلم والفسادِ ، فيحبس اللّه بذلك القطر! ، فيهلك الحرثَ والنّسل !، واللّه لا يحبُّ الفساد !، ثم قرأ الاية …

* وقال ابن زيد : “ظهر الفساد في البر والبحر ” قال: الذنوب.

* قلت: أراد أن الذّنوب سببُ الفسادِ الذي ظهر ، وإن أراد أن الفساد الذي ظهر هو الذنوب نفسها فتكون اللّام في قوله: “ليذيقهم بعض الذي عملوا ” لام العاقبة والتّعليل .

وعلى الأول فالمراد بالفساد: النّقص ،والشرّ والآلام التي يحدثها اللّه في الأرضِ عند معاصي العباد ! ، فكُّلما أحدثوا ذنباً أحدث اللّه لهم عقوبة ! ، كما قال بعض السلف: كلما أحدثتم ذنباً أحدث اللّه لكم من سلطانه عقوبةً ! .

* والظاهر – واللّه أعلم – أن الفساد المراد به الذّنوب وموجباتها ، ويدل عليه قوله تعالى: “ليذيقهم بعض الذي عملوا ” ، فهذا حالنا ! ، وإنّما أذاقنا الشيء اليسير من أعمالنا ، ولو أذاقنا كل أعمالنا لما ترك على ظهرها من دابة ! ” .

وقال رحمه اللّه : ” ومن تأثير معاصي اللّه في الأرضِ ما يحل بها من الخسف والزّلازل، ويمحق بركتها، وقد «مر رسول الله – صلّى اللّه عليه وسلّم – على ديار ثمود ، فمنعهم من دخول ديارهم إلا وهم باكون ، ومن شرب مياههم ، ومن الاستسقاء من آبارهم ، حتى أمر أن لا يعلف العجين الذي عجن بمياههم للنواضح ، لتأثير شؤم المعصية في الماء،»

* وكذلك شؤم تأثير الذنوب في نقص الثّمار ، وما ترى به من الآفات.

وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده في ضمن حديث قال: وجدت في خزائن بعض بني أمية، حنطة، الحبة بقدر نواة التمرة، وهي في صرة مكتوب عليها: كان هذا ينبت في زمن من العدل، وكثير من هذه الآفات أحدثها الله سبحانه وتعالى بما أحدث العباد من الذنوب.

وأخبرني جماعة من شيوخ الصحراء أنهم كانوا يعهدون الثمار أكبر مما هي الآن، وكثير من هذه الآفات التي تصيبها لم يكونوا يعرفونها، وإنما حدثت من قرب.

حتى قال في فصل : ” تأثير الذنوب في الصور:

وأما تأثير الذنوب في الصور والخلق، فقد روى الترمذي في جامعه عنه – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «خلق الله آدم وطوله في السماء ستون ذراعا، ولم يزل الخلق ينقص حتى الآن» .” ا.ه

فالذي يتحصّل من ذلك كلّه أن للمعصية توابع تلقي بظلالها على الأجيال ، فاارة تكون معصيةً حسيّةً ظاهرةً ، كما شوهد من مخلّفات الحروب ، وآثار نتن الجيف التي تنشر الأمراض القاتلة ، التي يستحيل معها العيش ، وتبقي آثاراً للأجيال القادمة .

أو تكون معاصٍ معنويّة خفيّة ، توجب غضب اللّه ولعنته على بعض عباده ، سالبةً البركة من الأشياء ، حارمةً معها كثيراً من الخير .

وبنو إسرائيل قد وقعو في أحد لوازم المعصية الحسيّة أو الخفيّة التي اقتضى معها اخنزاز اللّحم ، وخبث الطعام .

واللّه أعلم .


اترك ردا

بريدك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *