.. يسب الدهر وأنا الدهر ..

منذ الثلاثاء 8 صفر 1438مساءً14 8-11-2016مساءًالثلاثاء الزيارات : 725

عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم ” قال الله تعالى يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار” بخاري ومسلم

حرص علماء الاسلام على هذا الحديث ..

قال ابو عبيد القاسم بن سلّام البغدادي في غريب الحديث 2-145 ” هذا لا ينبغي لأحد من أهل الإسلام أن يجهل وجهه.
وذلك أن أهل التعطيل يحتجون به على المسلمين , وقد رأيت بعض من يتهم بالزندقة والدهرية يحتج بهذا الحديث ويقول: ألا تراه يقول: فإن الله هو الدهر !

فقلت: وهل كان أحد يسب الله في آباد الدهر وقد قال الأعشى في الجاهلية الجهلاء: [ المنسرح ] استأثر الله بالوفاء وبالحمد وولي الملامة الرجلا وإنما تأويله عندي والله أعلم أن العرب كان شأنها أن تذم الدهر وتسبه عند المصائب التي تنزل بهم من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، وأتى عليهم الدهر فيجعلونه الذي يفعل ذلك فيذمونه عليه وقد ذكروه في أشعارهم

قال الشاعر يذكر قوما هلكوا: [ الكامل ] فاستأثر الدهر الغداة بهم والدهر يرميني ولا أرمى يا دهر قد أكثرت فجعتنا بسراتنا ووقرت في العظم وسلبتنا ما لست تعقبنا يا دهر ما أنصفت في الحكم

وقال عمرو بن قميئة: [ الطويل ] رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى فكيف بمن يرمى وليس برام
فلو أنها نبل إذا لاتقيتها ولكنما أرمى بغير سهام على الراحتين مرة وعلى العصا أنوء ثلاثا بعدهن قيامي فأخبر أن الدهر فعل به ذلك نصف الهرم.

وقد أخبر الله تعالى بذلك عنهم في كتابه [ الكريم ] ثم كذبهم بقولهم فقال ” وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ” قال الله عز وجل ” ومالهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ” فقال النبي عليه السلام: لا تسبوا الدهر على تأويل لا تسبوا الذي يفعل بكم هذه الأشياء ويصيبكم بهذه المصائب، فإنكم إذا سببتم فاعلها فإنما يقع السب على الله تعالى لأنه عز وجل هو الفاعل لها لا الدهر، فهذا وجه الحديث إن شاء الله لا أعرف له وجها غيره.”

في معنى لفظة ( الدهر ..)

قال الزمخشري في أساس البلاغة 276 ” د ه ر مضت عليه أدهر ودهور وكان ذلك دهر النجم حين خلق الله النجوم : تريد في أول الزمان وفي القديم ,ورأيت شيخاً دهرياً دهرياً : مسنا ملحداً يقول بقدم الدهر ,ودهرهم أمر : أصابهم به الدهر ,ومضت دهور دهارير : طوال ….”

وقال الخليل في كتابه العين 4-23 ” الدهر : الأبد الممدود ورجل دهري : قديم والدهري الذي يقول ببقاء الدهر و لا يؤمن بالآخرة ..”

وقال ابن المنظور في اللسان 4-292 ” الدَّهْرُ الأَمَدُ المَمْدُودُ… ”

وقال ” وقد حكي فيه الدَّهَر بفتح الهاء فإِما أَن يكون الدَّهْرُ والدَّهَرُ لغتين كما ذهب إِليه البصريون في هذا النحو فيقتصر على ما سمع منه وإِما أَن يكون ذلك لمكان حروف الحلق فيطرد في كل شيء كما ذهب إِليه الكوفيون قال أَبو النجم وجَبَلاَ طَالَ مَعَدّاً فاشْمَخَرْ أَشَمَّ لا يَسْطِيعُه النَّاسُ الدَّهَرْ ..”

وقال الرازي في مختاره 218 ” الدَّهْرُ الزمان ..”

خلافاً لمن فرّق بينهما , ولا وجه للتفريق إلا بقولهم ان الزمان للمدة المحدودة والدهر لا ينقطع , والكل واحد وكليهما محدودٌ بالنسبة للآخرة قال الله عن اهل النار لما سئلوا عن قدر مكثهم في الدنيا ” قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين” وقال “يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا ” والعشر أكثر من يوم أو بعضه

وقال تعالى ” ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة” ، والساعة: أقل من يوم أو بعضه،

وقوله”كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها”

وقوله”كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم”

وقوله تعالى”كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون”

وقد حكم العسكري في الفروق على ان الزمان والدهر” في اللغة مترادفان “237

وقال بن فارس في مقاييس اللغة 2-306 ” وقد يحتمل قياساً أن يكون الدَّهرُ اسماً مأخوذاً من الفِعْل، وهو الغَلَبة، كما يقال رجل صَوْمٌ وفِطرٌ، فمعنى لا تسبُّوا الدَّهْرَ، أي الغالبَ الذي يقهركم ويغلِبُكم على أموركم.”

الدهر ليس من أسماء الله ..

قال ابن عثيمين في شرح القواعد المثلى ” لأنه اسم جامد لا يتضمن معنى يلحقه بالأسماء الحسنى ولأنه اسم للوقت والزمن

قال الله تعالى عن منكري البعث : ( وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ) يريدون مرور الليالي والأيام

فأما قوله صلى الله عليه وسلم : ” قال الله عز وجل : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار ” فلا يدل على أن الدهر من أسماء الله تعالى وذلك أن الذين يسبون الدهر إنما يريدون الزمان الذي هو محل الحوادث لا يريدون الله تعالى فيكون معنى قوله : ” و أنا الدهر ” ما فسره بقوله : ” بيدي الأمر أقلب الليل والنهار ”

هذا هو الدليل الأول على أن الدهر ليس اسما لله إذ أن أسماء الله حسنى كما سبق وتتضمن المعاني أما الدهر فاسم جامد
فهو سبحانه خالق الدهر وما فيه وقد بين أنه يقلب الليل والنهار وهما الدهر ولا يمكن أن يكون المقلب ( بكسر اللام ) هو المقلب ( بفتحها ) وبهذا تبين أنه يمتنع أن يكون الدهر في هذا الحديث مراداً به الله تعالى…”

الكلام على روايات الحديث..

الحديث جاء بلفظ [ لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر ]
وبلفظ [ يقول الله يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار ]
وفي لفظ [ لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر يقلب الليل والنهار ]

وفي لفظ [ يقول ابن آدم يا خيبة الدهر وأنا الدهر ]

قال الحافظ في الفتح 13-390 ” قال النووي : قوله ” أنا الدهر ” بالرفع في ضبط الأكثرين والمحققين ، ويقال بالنصب على الظرف

أي أنا باق أبدا ، والموافق لقوله ” إن الله هو الدهر ” الرفع وهو مجاز ، وذلك أن العرب كانوا يسبون الدهر عند الحوادث فقال : لا تسبوه فإن فاعلها هو الله ، فكأنه قال : لا تسبوا الفاعل فإنكم إذا سببتموه سببتموني . أو الدهر هنا بمعنى الداهر ،

فقد حكى الراغب أن الدهر في قوله ” إن الله هو الدهر ” غير الدهر في قوله ” يسب الدهر ” قال : والدهر الأول الزمان والثاني المدبر المصرف لما يحدث ، ثم استضعف هذا القول لعدم الدليل عليه . ثم قال : لو كان كذلك لعد الدهر من أسماء الله تعالى انتهى .

وكذا قال محمد بن داود محتجا لما ذهب إليه من أنه بفتح الراء فكان يقول : لو كان بضمها لكان الدهر من أسماء الله تعالى . وتعقب بأن ذلك ليس بلازم ، ولا سيما مع روايته ” فإن الله هو الدهر ”

قال ابن الجوزي : يصوب ضم الراء من أوجه : أحدها أن المضبوط عند المحدثين بالضم ، ثانيها لو كان بالنصب يصير التقدير فأنا الدهر أقلبه ، فلا تكون علة النهي عن سبه مذكورة لأنه تعالى يقلب الخير والشر فلا يستلزم ذلك منع الذم ، ثالثها الرواية التي فيها ” فإن الله هو الدهر ” انتهى . وهذه الأخيرة لا تعين الرفع لأن للمخالف أن يقول : التقدير فإن الله هو الدهر يقلب ، فترجع للرواية الأخرى ، وكذا ترك ذكر علة النهي لا يعين الرفع لأنها تعرف من السياق ، أي لا ذنب له فلا تسبوه ”

كلام أهل العلم في معنى الحديث ..

القول الأول :

قال المباركفوري في مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 250 ” (وأنا الدهر) برفع الراء ، قيل : هو الصواب ، ويؤيده الرواية التي فيها : (فإن الله هو الدهر) ، وهو مضاف إليه أقيم مقام المضاف ، أي أنا خالق الدهر أو صاحب الدهر ، فحذف اختصاراً للفظ وتوسعاً في المعنى ،

وقيل : التقدير مقلب الدهر ولذا عقبه بقوله : بيدي الأمر أقلب الليل والنهار

وقيل : الدهر في قوله (وأنا الدهر) غير الأول ، فإنه بمعنى زمان مدة العالم من مبدأ التكوين إلى أن ينقرض العالم ، والثاني مصدر بمعنى الفاعل ومعناه أنا الداهر المتصرف المدبر المفيض لما يحدث ، واستضعف هذا القول لعدم الدليل عليه ، وقيل : الأظهر في معناه أنا فاعل ما يضاف إلى الدهر من الخير والشر والمسرة والمساءة ، فإذا سب ابن آدم الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور عاد سبه إليّ ؛ لأني فاعلها وإنما الدهر زمان جعلته ظرفاً لمواقع الأمور.

قال عياض : زعم بعض من لا تحقيق له أن الدهر من أسماء الله تعالى ، وهو غلط ، فإن الدهر مدة زمان الدنيا ،

وقال ابن كثير : قد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدهم الدهر من الأسماء الحسنى أخذاً من هذا الحديث – انتهى. ويروى بنصب الدهر على الظرفية ، أي أنا المتصرف في الدهر ، أو أنا مدة الدهر ، أقلب ليله ونهاره ، أو أنا باقٍ مقيم أبداً لا أزول

…”

قال النووي في المنهاج 15-2 ” وأما قوله غز وجل وانا الدهر فانه برفع الراء هذا هو الصواب المعروف الذي قاله الشافعي وأبو عبيد وجماهير المتقدمين والمتأخرين وقال أبو بكر ومحمد بن داود الاصبهاني الطاهري إنما هو الدهر بالنصب على الظرف أي أنا مدة الدهر أقلب ليله ونهاره وحكى بن عبد البر هذه الرواية عن بعض أهل العلم وقال النحاس يجوز النصب أي فان الله باق مقيم أبدا لا يزول

قال القاضي قال بعضهم هو منصوب على التخصيص قال والظرف أصح وأصوب أما رواية الرفع وهي الصواب فموافقة لقوله فان الله هو الدهر قال العلماء وهو مجاز وسببه ان العرب كان شأنها أن تسب الدهر عند النوازل والحوادث والمصائب النازلة بها من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك فيقولون يا خيبة الدهر ونحو هذا من ألفاظ سب الدهر فقال النبي صلى الله عليه و سلم لا تسبوا الدهر فان الله هو الدهر أي لا تسبوا فاعل النوازل فانكم اذا سببتم فاعلها وقع السب على الله تعالى لأنه هو فاعلها ومنزلها وأما الدهر الذي هو الزمان فلا فعل له بل هو مخلوق من جملة خلق الله تعالى ومعنى فإن الله هو الدهر أي فاعل النوازل والحوادث وخالق الكائنات والله آعلم ”

قال أبو عمر ابن عبد البر في الاستذكار 8-553 ” المعنى عند جماعة العلماء في هذا الحديث أنه ورد نهيا عن ما كان أهل الجاهلية يقولونه من ذم الدهر وسبه لما ينزل من المصائب في الأموال والأنفس وكانوا يضيفون ذلك إلى الدهر ويسبونه ويذمونه بذلك على أنه الفاعل ذلك بهم وإذا وقع سبهم على من فعل ذلك بهم وقع على الله عز و جل فجاء النهي عن ذلك تنزيها لله تعالى وإجلالا له لما فيه من مضارعة سب الله وذمه تعالى الله عما يقول الجاهلون علوا كبيرا

قال امرؤ القيس
( ألا إنما ذا الدهر يوم وليلة … وليس على شيء قويم بمستمر )
وقد ذكرنا كثيرا من أشعارهم في التمهيد بهذا المعنى وهو شيء لم يكن يسلم منه أحد ولم ينه عنه إلا من عصمه الله – عز و جل – بتوفيقه ويسره للعمل بعلمه بل هو كثير جار في الإسلام كما كان في الجاهلية يذم الدهر مرة ويذم الزمان تارة وتذم الليالي والأيام مرة وتذم الدنيا أيضا

وكل ذلك لا يجوز على معنى ما وصفنا وبالله التوفيق إلا أن أهل الإيمان إذا ذموا الدهر والزمان لم يقصدوا بذلك إلا الدهر على قبيح ما يرى منهم كما قال حكيم من شعرائهم
( يذم الناس كلهم الزمانا … وما لزماننا عيب سوانا )
( نذم زماننا والعيب فينا … ولو نطق الزمان بنا هجانا )
( وإن الذي لحم ذئب … ويأكل بعضنا بعضا عيانا )

وربما كان ذمهم للدهر على معنى الاعتبار بما تأتي به المقادير في الليل والنهار كما قال أبو العتاهية
( سل القصر أودى أهله أين أهله … أكلهم عنه تبدد شمله )
( أكلهم قضت يد الدهر جمعه … وأفتاه قص الدهر يوما وقتله )
( أخي أرى الدهر نبلا مصيبة … إذا ما رمانا الدهر لم تخط نبله )
( فلم أر مثل الدهر في طول عدوه … ولا مثل ريب الدهر يؤمن ختله ..”

الى أن قال ” وقد أنشدنا في باب أبي الزناد من كتاب التمهيد أشعارا كثيرة من أشعار الجاهلية وأشعارا أيضا كثيرة إسلامية فيها ذم الزمان وذم الدنيا وذم الدهر إلا أن المؤمن الموحد العالم بالتوحيد ينزه الله – سبحانه وتعالى – عن كل سوء ينوي ذلك ويعتقده فإن جرى على لسانه شيء على عادة الناس استغفر الله وراجع الحق وراض نفسه عن العودة إليه كما قال بعض الفضلاء العقلاء

( يا دهر ويحك ما أبقيت لي أحدا … وأنت والد سوء تأكل الولدا )
( أستغفر الله بل ذا كله قدر … رضيت بالله ربا واحدا صمدا )
( لا شيء يبقى سوى خير تقدمه … ما دام ملك لإنسان ولا خلدا ) …”

..” والأصل في هذا المعنى في الإسلام وأهله قول رسول الله صلى الله عليه و سلم الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله أو آوى إلى الله

وأما أهل الجاهلية فإنهم كانوا منهم دهرية زنادقة لا يعقلون ولا يعرفون الله ولا يؤمنون وفي قريش منهم قوم وصفهم أهل الأخبار كرهت ذكرهم وقد حكى الله تعالى عنهم أو عن بعضهم قولهم ( ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ) الجاثية 24

قال أبو عمر معنى ما ذكرنا قال أئمة العلماء

أخبرنا إبراهيم بن شاكر قال حدثني محمد بن إسحاق القاضي قال حدثني أحمد بن مسعود الزبيدي بمصر قال حدثني أبو القاسم يحيى بن محمد بن يحيى بن أخي حرملة قال حدثني عمي حرملة بن يحيى قال قال الشافعي في قول الله عز و جل ( وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ) الجاثية 24

وقول رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تسبوا الدهر فإن الله عز و جل هو الدهر قال الشافعي تأويل ذلك – والله أعلم – أن العرب كان شأنها أن تسب الدهر وتذمه عند المصائب التي تنزل بهم من موت أو هدم أو ذهاب مال أو غير ذلك من المصائب وتقول أصابتنا قوارع الدهر وأبادهم الدهر وأنا عليهم الدهر والليل والنهار يفعل ذلك بهم فيذمون الدهر بذلك ويسبونه

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تسبوا الدهر على أنه الذي يفعل بكم ذلك فإنكم إذا سببتم فاعل ذلك وقع سبكم على الله – عز و جل – فهو الفاعل بذلك كله وهو فاعل الأشياء ولا شيء إلا ما شاء الله العلي العظيم ”

وقال الخطابيّ في المعالم 3-13 ” تأويل هذا الكلام أن العرب إنما كانوا يسبون الدهر على أنه هو الملم بهم في المصائب والمكاره ويضيفون الفعل فيما ينالهم منها إليه ثم يسبون فاعلها فيكون مرجع السب في ذلك إلى اللّه سبحانه إذ هو الفاعل لها فقيل على ذلك لا تسبوا الدهر فإن اللّه هو الدهر ، أي إن اللّه هو الفاعل لهذه الأمور التي تضيفونها إلى الدهر”

القول الثاني :

ما نقل عن نعيم بن حماد وطائفة معه من أهل الحديث والصوفية : إن الدهر من أسماء الله تعالى معناه القديم الأزلي

قل شيخ الاسلام في التاوى الكبرى 5-64 ” قول نعيم بن حماد وطائفة معه من أهل الحديث والصوفية : إن الدهر من أسماء الله تعالى معناه القديم الأزلي ورووا في بعض الأدعية : يا دهر يا ديهور يا ديهار وهذا المعنى صحيح لأن الله سبحانه هو الأول ليس قبله شيء وهو الآخر ليس بعده شيء فهذا المعنى صحيح إنما النزاع في كونه يسمى دهرا
بكل حال فقد أجمع المسلمون وهو مما علم بالعقل الصريح أن الله سبحانه وتعالى ليس هو الدهر الذي هو الزمان أو ما يجري مجرى الزمان فإن الناس متفقون على الزمان الذي هو الليل والنهار وكذلك ما يجري مجرى ذلك في الجنة كما

قال تعالى : { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } قالوا : على مقدار البكرة والعشي في الدنيا الآخرة يوم الجمعة يوم المزيد والجنة ليس فيها شمس ولا زمهرير ولكن تعرف الأوقات بأنوار أخر قد روي أنه تظهر من تحت العرش فالزمان هنالك مقدار الحركة التي بها تظهر تلك الأنوار

وهل وراء ذلك جوهر قائم بنفسه سيال هو الدهر ؟ هذا مما تنازع فيه الناس فأثبته طائفة من المتفلسفة من أصحاب أفلاطون كما أثبتوا الكليات المجردة في الخارج التي تسمى المثل الأفلاطونية والمثل المطلقة وأثبتوا الهيولى التي هي مادة مجردة عن الصور وأثبتوا الخلاء جوهرا قائما بنفسه

وأما جماهير العقلاء من الفلاسفة وغيرهم فيعلمون أن هذا كله لا حقيقة له في الخارج وإنما هي أمور يقدرها الذهن ويفرضها فيظن الغالطون أن هذا الثابت في الأذهان هو بعينه ثابت في الخارج عن الأذهان كما ظنوا مثل ذلك في الوجود المطلق مع أن المطلق بشرط الإطلاق وجوده في الذهن وليس في الخارج إلا شيء معين وهي الأعيان وما يقوم بها من الصفات فلا مكان إلا الجسم أو ما يقوم به ولا زمان إلا مقدار الحركة ولا مادة مجردة عن الصور بل ولا مادة مقترنة بها غير الجسم الذي يقوم به الأعراض ولا صورة إلا ما هو عرض قائم بالجسم أو ما هو جسم يقوم به العرض

وهذا وأمثاله مبسوط في غير هذا الموضع وإنما المقصود التنبيه على ما يتعلق بذلك على وجه الاختصار والله أعلم ”

والذي يترجح والعلم عند الله ..

أن المقصود من الدهر هو الله , وهو صفة من صفاته الابدية وليست اسماً له
“فكل اسم صفة ، وليس كل صفة اسماً ، لأن بعض الصفات لا يشتق منها أسماؤه : كبعض الصفات الذاتية – مثلاً – كاليد ، والعين ، فلا يؤخذ منها أسماء قال ابن القيم – رحمه الله :
” أسماء الرب تعالى هي أسماء ونعوت ، فإنها دالة على صفات كماله ، فلا تنافي فيها بين العلمية والوصفية ، فالرحمن اسمه تعالى ووصفه ، لا تنافي اسميته وصفيته ، فمن حيث هو صفة جرى تابعاً على اسم الله ومن حيث هو اسم ورد في القرآن غير تابع بل ورود الاسم العلم ” وكذلك فإن الأسماء مشتقة من الصفات- إذ الصفات مصادر الأسماء الحسنى”
– المجلى شرح القواعد –

ودل على ذلك قوله تعالى ” هُوَ الأوَّلُ وَالآخر وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ”

وقوله صلى الله عليه وسلم ” أنت الأول فليس قبلك شىء وأنت الآخر فليس بعدك شىء وأنت الظاهر فليس فوقك شىء وأنت الباطن فليس دونك شىء ”

ففيه دلالة على الاحاطة الزمانية والمكانية

فإن كان المقصود في قوله تعالى “انا الدهر” الامد الممدود فانه فهو الاول جل جلاله , وان كان المقصود منه أنه لا يفنى فهو الاخر جل في علاه

وهو خالق الزمان والايام والاوقات والساعات واقدارها وهو القديم وملكه قديم وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله ” اعوذ بالله العظيم وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم ” وهو الاول والاخر وله الحياة الكاملة
ف الساب للدهر سابٌ لله لوقوع سبه على القديم الذي يمد الحياة بالاقدار خيرها وشرها

ما يترتب على من سب الدهر ..

قال ابن القيم في الهدي 2-323 ” في هذا ثلاث مفاسد عظيمة .

إحداها : سبه من ليس بأهل أن يسب فإن الدهر خلق مسخر من خلق الله منقاد لأمره مذلل لتسخيره فسابه أولى بالذم والسب منه .

الثانية : أن سبه متضمن للشرك فإنه إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع وأنه مع ذلك ظالم قد ضر من لا يستحق الضرر وأعطى من لا يستحق العطاء ورفع من لا يستحق الرفعة وحرم من لا يستحق الحرمان وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة وأشعار هؤلاء الظلمة الخونة في سبه كثيرة جدا . وكثير من الجهال يصرح بلعنه وتقبيحه .

الثالثة : أن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال التي لو اتبع الحق فيها أهواءهم لفسدت السماوات والأرض وإذا وقعت أهواؤهم حمدوا الدهر وأثنوا عليه . وفي حقيقة الأمر فرب الدهر تعالى هو المعطي المانع الخافض الرافع المعز المذل ، والدهر ليس له من الأمر شيء فمسبتهم للدهر مسبة لله عز وجل ولهذا كانت مؤذية للرب تعالى ، كما في ” الصحيحين ” من حديث أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال الله تعالى : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر فساب الدهر دائر بين أمرين لا بد له من أحدهما .

إما سبه لله أو الشرك به فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك وهو يسب من فعله فقد سب الله ..”


اترك ردا

بريدك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *