مدح العلماء أو ذمهم حكم شرعي

منذ الثلاثاء 20 شوال 1442صباحًا00 1-6-2021صباحًاالثلاثاء الزيارات : 25

*مدح العلماء أو ذمهم حكم شرعي* :

هاهنا ثلاث قضايا :

*الأولى* : أن لمدح العلماء والدعاة أسباباً ، كما أن لذمهم أسباباً … وقد تجتمع في الرجل الواحد أسباب المدح وأسباب الذم، فيمدح باعتبار ويذم باعتبار ، وقد تتقابل أسباب المدح والذم وتتعارض ؛ فيقدم الغالب الراجح منها … والترجيح لا يكون إلا بعلم ، وحقيقته تكون في تجريد النفس عن الهوى والتجرد للحق ؛ فمن كانت طرائقه في الترجيح علمية ، ومقاصده في التصحيح دينية ، واختياراته في التقديم مصلحية ، واعتباراته في الانتقاد شرعية … فهو الموفق في باب الاعتذار والانتقاد بلا إفراط ولا تفريط … ويكون من أهل الاجتهاد المشكور أو السعي المأجور .

*الثانية* : الرد على المخالف بالعلم والعدل ، وبالأدلة النقلية والاستدلالات العقلية ، والآداب الشرعية ، ضرورةٌ دينيةٌ ، ومصلحةٌ شرعيةٌ ، ووسيلةٌ دعويةٌ ، وطريقةٌ سلفيةٌ ، ومنهجيةٌ علميةٌ … موضوعة لحفظ الدين ، وبيان خطأ من أخطأ على الشريعة ، ولاستنقاذ العامة من تشويش المشككين وتحريف الغالين وتأويل الجاهلين …

وهذا الردّ على المخالف يتخرج على ثلاثة أبواب من أبواب الشريعة :

الأول : في باب المناصحة في الدين .

والثاني : باب واجب الوقت .

والباب الثالث : مراعاة المصلحة عند الرد أو السكوت والموازنة بينهما .

لهذا كل ردٍّ على المخالف لا يخرج مخرج النصيحة ، ولا يراعى فيه واجب الوقت ، ولا ينظر فيه إلى المصلحة ؛ يكون ذريعة إلى فُرقة أو طريقاً إلى فتنة أو قد يفتح باب إلى البدعة … فالمخالفة داء … والرد على المخالف من جنس الدواء ، ولابد أن يناسب الدواء الداء زمنا ومكانا وحالا ومقدارا …

وهنا نكتة دقيقة ، وهي ضرورة التفريق في باب الرد والنقد ، بين أمرين :

هل الأصلح الرد على المخالف بعينه وشخصه ، أو إدراج مخالفته وخطئه في باب بحث مسائل العلم ؛ فيكون بحثها في باب ( مسائل العلم وشرحها ) لا في ( باب الردود والمناظرات وتوابعها ) ؟ .

والجواب على هذا السؤال يكون من وجه مجمل ومن وجه مفصل .

أما الجواب المجمل : فيقال : إن اختيار أحد الطريقين في الردّ متوقف على اعتبار المصلحة الراجحة .

أما الجواب المفصل : فيقال : إن الأصل في الرد على المخالفين يكون على العموم ، على قاعدة ( ما بالُ أقوام ) ، وتكون على الخصوص بالرد على المخالف بشخصه عند الحاجة ورجحان المصلحة ؛ كما في أحوال منها :

– عندما تلتصق المخالفة بالمخالف ، وتتلازم في الذكر مع شخصه ، كأن يكون داعيةً لها أو قد تنشر بسبب نسبتها إليه وظهورها على لسانه ، أو قد يكون متبوعا في قومه ، ولا تزول المخالف إلا بالرد عليه ؛ أي : لا يتحقق مقصود التحذير منها إلا بذكر صاحبها والتحذير منه …

وكذلك عندما يجيش المخالف الاستدلالات النقلية والعقلية والتقريرات الكلامية -تصنيفا وكتابة وتدريسا – في نصرة مخالفته ؛ ففرق بين كون المخالف ناقلا للخطأ أو مقلدا ، وبين كونه مقررا ومستدلا …ومن باب أولى التفريق بين أن يكون مجتهدا متبعاً .. أو مبتدعا مستكبرا ، وبين كون المخالف باحثا ومستدلا ، وبين كونه ناصراً وداعيا إلى مخالفته … وبين ذكرها في موضع الاستطراد أو الجدال ، وبين ذكرها في موضع تحرير موارد النزاع ؛ كالرواية للأخبار ففرق بين روايتها في مجلس المذاكرة .. وبين ذكرها في مجلس التحديث والسماع؛ فلكل مقام مقال ؛ ومن لم يلتفت إلى الفروق فسيبقى أسيراً للاطلاقات والعموم .

*القضية الثالثة* : ليس من شرط العالم الذي تكون أصوله صحيحة واعتقاداته واضحة سليمة أن يكون محرراً محققاً لجميع المسائل التي يتكلم فيها ؛ نعم واجب عليه أن لا يتكلم في المسائل التي تعمّ بها البلوى والتي تكون مظنة الخلاف والفتنة إلا بعد النظر الدقيق والبحث السديد ؛ لكن فرق بين شرط الوجوب وشرط الصحة وبين الواجب والواقع …

لهذا غاية ما يقال عن العالم المعروف بالاتباع وصحة الاعتقاد في المسائل التي لم يوفق فيها ولم يهتدِ إلى تحرير محل الخلاف فيها – ؛ إن كلامه فيها مردود، وقوله فيها محجوج ، واختياره لها مرجوح … من غير تبديع ولا تصنيف ، ولا تهويل ولا تطويل إلا التركيز على الارشاد والتوجيه ، والاعتناء ببيان جهة الخطأ في الكلام والتأصيل … مع الإبقاء على المناصحة وحفظ المكانة والمنزلة ، وعدم تضييع الجهود الماضية والآثار النافعة … ولا التفتيش عن النيات الكامنة والمقاصد الباطنة بدعوى وجود القرائن الظاهرة .

ونصيحتي إلى الدعاة من أهل العلم والدعوة إلى ضرورة المرابطة على ثغور الوسطية ، والالتزام بالعلم والعدل في الردود العلمية ، وعدم الخروج عن الضوابط الشرعية عند القيام بواجب حراسة السنة النبوية …

والابتعاد عن ردود الأفعال وتصفية الحسابات وتتبع الأخطاء والزلات في المناظرات العلمية والمساجلات الفقهية ، والحرص على الموازنة العادلة بين الأخذ بموجبات الاعتذار والنهوض بواجب الانتقاد ، وبين الدفع والطلب ، وبين دفع مفسدة المخالف والطمع بهدايته ، وبين حفظ الشريعة وحفظ حق المخالف ،

وبين البلاد التي السنة فيها ظاهرة والبلاد التي فيها البدعة حاكمة … فأنتم يا دعاة القرآن والسنة : العدول الشهداء الذين يرحمون الخلق ويتحروّن الحق .


اترك ردا

بريدك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *