عدل الله ورحمته

منذ الأثنين 3 شعبان 1440صباحًا07 8-4-2019صباحًاالأثنين الزيارات : 615

#مسائل_عقدية (١٠)

?بين آيتين?

?عدل الله ورحمته?

?قال الله تعالى: {ولا تزر وازرة وزرى أخرى} هذه الآية جاءت في مواضع من كتاب الله تعالى، وهي آية محكمة، ومدلولها – وهو: عدم مؤاخذة العبد بذنب غيره- أصل ثابت محكم، وجميع ما ورد من نصوص صحيحة توهم معارضة هذا الأصل المحكم -كقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الميت ليعذب ببكاء الحي) ونحوه-  فهي نصوص مشتبهة، فترد إلى هذا الأصل المحكم، ويجب أن تفهم على وجه لا يخالفه، لأننا نقطع بعدم معارضتها له.

?ومن عظيم فضل الله ورحمته أنه لم يجعل الانتفاع بعمل الغير كما الحال في المؤاخذة، بل جعل عمل الغير وسعيه نافعاً للعبد المؤمن إذا بُذِلَ له.

?ولا يُشكل على هذا قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} فإن هذه الآية محكمة أيضاً – على قول الجمهور- ومدلولها أصل ثابت محكم، فهي تفيد أنه ليس للإنسان إلا سعي نفسه، فلا يملك سعي غيره، لكنها لا تمنع من أن الله تعالى قد ينفعه ويرحمه بأمور خارجة عن سعيه، كأعمال البر التي تعمل عنه، كاستغفار الملائكة والمؤمنين ودعائهم..

?ونطير هذا – كما قال ابن تيمية والسعدي-أن الإنسان ليس له من مال إلا ما كان في ملكه وتحت يده، فلا يملك مال غيره، إلا إن بذله له، ووهبه إياه، فاختصاصه بما يملك مما هو من كسبه، لا يمنع من انتفاعه بكسب غيره إذا بذله له.

?وانتفاع المؤمن – بشرط الإيمان- بسعي غيره متفق عليه، وقد نُقل الإجماع على انتفاعه بدعاء الغير، واستغفارهم، وصدقتهم، وصيامهم وحجهم عنه، – لدلالة النصوص الصحيحة على ذلك- واختُلف فيما سوى ذلك من الأعمال، والراجح – وهو الذي عليه بعض المحققين من أهل العلم–أنه لا يُثبَت من ذلك إلا ما ورد به النص.

?قال ابن تيمية – في الإيمان الأوسط (٣٥٦-٣٥٨)- في سياق ذكر الأسباب التي تسقط بها عقوبة الذنب عن العبد: “السبب الخامس: ما يعمل عنه من أعمال كالصدقة ونحوها، فإن هذا ينتفع به بنصوص السنة الصحيحة الصريحة، واتفاق الأئمة رحمهم الله، وكذلك العتق والحج، بل قد ثبت في الصحيحين أنه قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه)..

ولا يجوز أن يعارض هذا بقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}، لوجهين:

أحدهما: أنه قد ثبت بالنصوص المتواترة وإجماع سلف الأمة أن المؤمن ينتفع بما ليس من سعيه، كدعاء الملائكة واستغفارهم له، كما في قول الله تبارك وتعالى: {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا…}

ودعاء النبيين والمؤمنين واستغفارهم، كما في قوله تعالى: {وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم}… وكدعاء المصلين للميت ولمن زاروا قبره من المؤمنين.

الثاني: أن الآية ليس في ظاهرها إلا أنه ليس له إلا سعيه، وهذا حق فإنه لا يملك ويستحق إلا سعي نفسه، وأما سعي غيره فلا يملكه ولا يستحقه، لكن هذا لا يمنع أن ينفعه الله تعالى ويرحمه به، كما أنه دائماً يرحم عباده بأسباب خارجة عن مقدورهم… “.

?وقال ابن كثير: “فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما ، ومنصوص من الشارع عليهما .

وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده، أو علم ينتفع به)، فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكده وعمله…”.

?وقال الشنقيطي – في دفع إيهام الاضطراب (٣٩٨)-: “الآية إنما دلت على نفي ملك الإنسان لغير سعيه ولم تدل على نفي انتفاعه بسعي غيره، لأنه لم يقل: (وأن لن ينتفع الإنسان إلا بما سعى) .

وإنما قال: {وأن ليس للإنسان}، وبين الأمرين فرق ظاهر، لأن سعي الغير ملك لساعيه، إن شاء بذله لغيره فانتفع به ذلك الغير، وإن شاء أبقاه لنفسه، وقد أجمع العلماء على انتفاع الميت بالصلاة عليه، والدعاء له، والحج عنه، ونحو ذلك مما ثبت الانتفاع بعمل الغير فيه”.

?وقد جاءت الآيتان متواليتان في سورة النجم {ألا تزر وازرة وزرَ أخرى. وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}.

فالآية الأولى يظهر فيها عدل الله تعالى، فلا يعاقب الإنسان بجريرة غيره.

وفي الآية الثانية يظهر فيها عدل الله ورحمته، حيث لم يبخس العبدَ المؤمن شيئاً من حقه، وهذا عدل، لكنها ليست بمانعة من انتفاعه بسعي غيره، وهذا فضل ورحمة.

?وقد ذكر ابن عطية في تفسيره أن والي خراسان عبد الله بن طاهر سأل الحسين بن الفضل عن هذه الآية الثانية، مع قوله تعالى: {والله يضاعف لمن يشاء}؟ فقال: “ليس له بالعدل إلا ما سعى، وله بالفضل ما شاء الله تعالى” فقبَّل عبد الله رأس الحسين.

?ونطير هذا – أعني ما جاء في الآيتين-: أن الله تعالى لا يجازي السيئة إلا بمثلها، عدل منه تعالى، أما الحسنة فيضاعفها، رحمة منه وفضل.

‏•••═══ ༻✿༺═══ •••

قناة أ .د. سليمان بن محمد الدبيخي .(علمية عقدية- تربوية – دعوية)

‏https://t.me/sulaiman_Al_Dubaikhi


اترك ردا

بريدك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *