هل يُكْشَفُ عذاب القبر ونعيمه لأحد من الناس؟

منذ الثلاثاء 30 جمادى الأولى 1440مساءً17 5-2-2019مساءًالثلاثاء الزيارات : 634

#مسائل_عقدية (٩)

?هل يُكْشَفُ عذاب القبر ونعيمه لأحد من

الناس؟?

?ذكر بعض أهل العلم قصصاً وأخباراً تُفيد كشفَ

ما يقع في القبر من عذاب أو نعيم لبعض الناس.

?فقد أورد ابن أبي الدنيا شيئاً من ذلك في بعض كتبه، ككتاب (من عاش بعد الموت) وكتاب (القبور) وكتاب (المحتضرين).

?وعنه وعن غيره ابن القيم في كتابه: (الروح) -(ص٩٧-١٠٢)- حيث أورد بعض القصص والأخبار في سياق الرد على المنكرين لعذاب القبر، قال في آخرها:” وَهَذِه الْأَخْبَار وأضعافها وأضعاف أضعافها مِمَّا لَا يَتَّسِع لَهَا الْكتاب مِمَّا أرَاهُ الله سُبْحَانَهُ لبَعض عباده من عَذَاب الْقَبْر ونعيمه عيَانًا”.

?وعنهما وغيرهما ابن رجب في (أهوال القبور) فقد عقد فصلا قال في أوله – (ص ٣٥ )- بعد أن ساق عدداً من أحاديث أحوال أهل القبور: “وقد أطلعَ الله من شاء من عباده على كثير مما ورد في هذه الأحاديث حتى سمعوه وشاهدوه عيانا، ونحن نذكر بعض ما بلغنا من ذلك ” ثم ساق عددا من القصص ولأخبار.

وفي موضع آخر – (ص ١٠٩)- عقد فصلاً آخر بعنوان: (ما جاء في الكشف عن بعض عذاب أهل القبور ونعيمهم) ذكر فيه حوادث أخرى .

?وعن الثلاثة المتقدمين وغيرهم السيوطي في شرح الصدور .

?وعن الأربعة السالف ذكرهم وغيرهم السفاريني في البحور الزاخرة، وقال – (١/ ١٧٤): “وهذا شيء قد عاينه الناس، وتواتر وكثرت الحكايات فيه، وهو مما يجب الإيمان به، ولا ينكره إلا ضال، ونعوذ بالله، والله سبحانه أعلم”.

?والتعليق على ما ذُكر من وجوه:

1️⃣عذاب القبر ونعيمه ثابت في النصوص الشرعية ثبوتاً قطعياً لا ريب فيه.

?قال ابن أبي عاصم – في كتابه السنة (ص٤١١) – بعد ذكره لأحاديث عذاب القبر:” وهي أخبار ثابتة توجب العلم، وتنفي الريب والشك”. .

?وقال شارح الطحاوية: “وقد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلاً، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به”.

?وقد أورد البيهقي في كتابه: (إثبات عذاب القبر) أحاديث في ذلك عن تسعة وثلاثين صحابياً.

?وتتبع بعض الباحثين ما استدل به العلماء من القرآن على عذاب القبر فأوصلها إلى ما يزيد على العشرين دليلا.

?وحكى الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم.

2️⃣ظاهر الأدلة أن الجن والإنس – سوى نبينا صلى الله عليه وسلم- لا يسمعون ولا يطلعون على ما يحدث في القبور من عذاب أو نعيم، فهو غيب بالنسبة لهم، كما دلت الأدلة على سماع البهائم لشيء من ذلك.

?ففي الصحيحين من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم – فذكر الكافر في قبره- قال: (… ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين).

?وفي “صحيح البخاري” من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (إذا وُضِعت الجنازة، فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها! أين تذهبون بها؟! يسمع صوتها كلُّ شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق)

?وعن زيد بن ثابت قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في حائط لبني النجار على بغلة له ونحن معه، إذ حادت به فكادت تلقيه، و إذا أقبرٌ ستة أو خمسة أو أربعة فقال: (من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟) فقال رجل: أنا، قال: (فمتى مات هؤلاء) قال: ماتوا في الإشراك، فقال: (إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه) أخرجه مسلم.

?فالذي تفيده هذه النصوص:

١-أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كُشف له بعض أحوال أهل القبور، والظاهر أن هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم، كما كان يرى الملك ويسمع كلامه، ومن حوله لا يراه ولا يسمعه .

٢-أن غير النبي صلى الله عليه وسلم من الثقلين لا يطلعون على شيئ من أحوال أهل القبور، والأحاديث في هذا صريحة، بل مقرونة ببيان الحكمة من ذلك، وأنهم لا يحتملون السماع، ففي أحدها يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ولو سمعها الإنسان لصعق) وفي الحديث الآخر يقول: (فلولا أن لا تدافنوا.. ).

٣-أن البهائم تسمع ما يحدث لأصحاب القبور، وفي ذلك أحاديث صحيحة صريحة غير ما ذُكر.

?وعليه فالجزم بالسماع أو المشاهدة لشيئ من أحوال أهل القبور محل نظر، وظاهر الأدلة – كما تقدم- على خلافه، لا سيما وأن جميع أهل العلم ممن ذكر القصص والحكايات في ذلك وغيرهم ينصون على أن عالم القبر والبرزخ عالم غيبي، ليس من عالم الشهادة، وأنه مما أخفاه الله تعالى على عباده، امتحاناً لهم، ورفقاً بهم، وفي الاعتبار بما ثبت في نصوص الكتاب وصحيح السنة من أحوال الموتى غنية عن الاعتبار بهذه القصص ونحوها، والله تعالى أعلم.

3️⃣أن أغلب أسانيد هذه القصص والأخبار المذكورة واهية لا تثبت، والعمدة في أغلبها إلى ابن أبي الدنيا في بعض كتبه كما تقدم.

?فإن ثبت شيئ مما ذُكر فلا يعني هذا أن ذلك السماع أو تلك المشاهدات حقيقةُ ما يقع للميت، فربما كان ذلك مما يتخيله الإنسان، أو تتمثل به الشياطين.

?قال ابن تيمية – كما في الفتاوى (١/ ١٦٨)-: “… ولهذا يحصل عند القبور لبعض الناس من خطاب يسمعه وشخص يراه و تصرف عجيب ما يُظن أنه من الميت، وقد يكون من الجن والشياطين، مثل أن يرى القبر قد انشق وخرج منه الميت وكلمه وعانقه ، وهذا يُرى عند قبور الأنبياء وغيرهم ، وإنما هو شيطان ، فإن الشيطان يتصور بصور الإنس ويدَّعى أحدهم أنه النبي فلان أو الشيخ فلان ويكون كاذبا في ذلك، وفي هذا الباب من الوقائع ما يضيق هذا الموضع عن ذكره، وهي كثيرة جداً ، والجاهل يظن أن ذلك الذي رآه قد خرج من القبر وعانقه أو كلمه هو المقبور أو النبي أو الصالح وغيرهما ، والمؤمن العظيم يعلم أنه شيطان”.

إلى أن قال – ص١٧٣-:”فمن ظن أن المرئي هو الميت فإنما أتي من جهله، ولهذا لم يقع مثل هذا لأحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان”.

?وأخيراً فإن من المهم التذكير والتأكيد على أن من أورد الأخبار والحكايات في ذلك من أهل العلم يقررون أن عالم البرزخ عالم غيبي، ليس مما يطلع عليه كل أحد، غاية ما يقررونه أنه قد يكشف ذلك لنزر يسير من الناس، وهو محل التحفظ، والله أعلم.

?وأمر آخر مهم، وهو أن من الناس من ينشر ويُشيع بعض ما يُقال إنه من أصوات أهل القبور، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بحيث يسمعه كل من أراد سماعه، وحينئذٍ لا يكون غيباً! ، وينتفي كونه مخصوصاً بفئة قليلة، كما عند القائلين بإمكانه! وهذا لا يقول به حتى من نقل تلك القصص والأخبار من أهل العلم.

?قال ابن القيم – في كتابه الروح – ص(٩٦)-: “فاذا شَاءَ الله سُبْحَانَهُ أَن يطلع على ذَلِك بعض عبيده أطلعه وغيبه عَن غَيره، إِذْ لَو أطلع الْعباد كلهم لزالت

كلمة التَّكْلِيف وَالْإِيمَان بِالْغَيْبِ، وَلما تدافن النَّاس كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ صلى الله عليه وسلم:

(لَوْلَا أَن لَا تدافنوا لَدَعَوْت الله أَن يسمعكم من عَذَاب الْقَبْر مَا أسمع)

وَلمَّا كَانَت هَذِه الْحِكْمَة منفية فِي حق الْبَهَائِم سَمِعت ذَلِك وأدركته كَمَا حادت برَسُول الله بغلته، وكادت تلقيه لما مر بِمن يعذب فِي قَبره…”.

?وقال قبل ذلك – (ص٩٤)-:”إن الله سبحانه جعل أمر الآخرة وما كان متصلا بها غيباً، وحجبها عن إدراك المكلفين في هذه الدار ، وذلك من كمال حكمته، وليتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم”.

?وقال الشيخ ابن عثيمين -في شرح الواسطية (2/ 118)-: “لو سمع الناس صراخ هؤلاء المعذبين، لكان الإيمان بعذاب القبر من باب الإيمان بالشهادة، لا من باب الإيمان بالغيب، وحينئذ تفوت مصلحة الامتحان، لأن الناس سوف يؤمنون بما شاهدوده قطعاً، لكن إذا كان غائباً عنهم ولم يعلموا به إلا عن طريق الخبر صار من باب الإيمان بالغيب”.

‏•••═══ ༻✿༺═══ •••

قناة أ.د. سليمان بن محمد الدبيخي .(علمية عقدية -تربوية – دعوية)

‏https://t.me/sulaiman_Al_Dubaikhi…


اترك ردا

بريدك الإلكتروني لان يتم نشره. الخانات مطلوبة *